في دور المجتمع المدني
يقع على عاتق جمعيات ومنظمات المجتمع المدني اللبناني التي تضع ضمن أولوياتها العمل المطلبي الحقوقي الاجتماعي بما يمس القضايا الاجتماعية الملحة بشكل عام، والمنظمات المعنية بقضايا الإعاقة بشكل خاص مسؤولية كبيرة جداً على صعد مختلفة. كما لا يمكن الفصل أحياناً كثيرة بين موضوعنا اليوم، أي التربية الدامجة، وبين التنمية الدامجة بشكل عام، إذ إن الفصل بين التربية كعملية تفاعلية تشترك فيها جهات مختلفة وبين حق الوصول، والبيئة الدامجة، والتأهيل الجسدي والنفسي – حركي قد لا يقودنا إلى جدوى معينة. أما أهم ما يمكن بحثه في دور المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في التربية الدامجة فيمكن إدراجه ضمن عناوين ثلاثة ضمن محورين: الأول هو التوعية المباشرة وغير المباشرة، والثاني العمل الاجتماعي التفاعلي والعمل المطلبي الحقوقي.
لكن قبل التفصيل في هذه العناوين – المحاور، يبرز مثال نوعي لا يمكن تجاهله، على صعيد لبنان، حول عمل المجتمع المدني التشبيكي التفاعلي في إطار الدمج التربوي الاجتماعي تمثل في شبكة الدمج، التي أعلنت انطلاقتها عام 2003، عن تجمع للهيئات والأفراد الذين يتبنون فلسفة الدمج المجالات الاجتماعية والتربوية، تعمل بالتعاون مع جميع الهيئات المحلية والدولية وأصحاب الإختصاص والخبرة الملتزمين بهذا التفكير الاستراتيجي للدمج على تشكيل إطار من التشبيك والشراكة للقيام بهذا الدور. وترى أن المسؤوليات لتحقيق بيئة دامجة تقع على جميع الأطراف التي لها شخصية معنوية أو قانونية انطلاقاً من دورها الطبيعي أو المكتسب في المجتمع، في إطار التوعية والمعلومات والتدخل المتخصص لتطوير ثقافتها ومفاهيمها ومهاراتها وبرامجها وخدماتها؛ لتهيئة أصحاب القضية من القيام بدورهم المطالب والمحرك والمشارك. كما أن العضوية في الشبكة هي عضوية معنوية، حيث تنضم إليها كل هيئة تتبنى فلسفة الدمج المنصوص عنها في الورقة الاستراتيجية للشبكة وتعمل على تحقيق الدمج في مجال واحد على الأقل من المجالات المحددة في ورقة الشبكة “مجالات العمل والاستراتيجيات الممكنة لتحقيق الدمج”؛ وينضم إلى الشبكة أفراد لهم مساهمة واضحة في تحقيق غاية الشبكة، أما الأعضاء الحاليون فيزيد عددهم عن 26 جمعية وهيئة.
جعلت الاتفاقية الدولية بشأن تعزيز حقوق الأشخاص المعوقين وكرامتهم (2006)، وقبلها القواعد المعيارية الموحدة بشأن تكافؤ الفرص للأشخاص المعوقين (1993)، على عاتق الدولة تعميم التوعية المنهجية وغير المنهجية، المباشرة وغير المباشرة، تجاه حاجات وقدرات الأشخاص المعوقين في المجتمع بما يضمن عدم التمييز الجسدي، وسعياً نحو الدمج التام في المجتمع أسوة بغيرهم من الأشخاص غير المعوقين. على صعيد محلي لم يغفل القانون 220/2000 هذا الجانب، لكن التطبيق العملي له على مدى ثماني سنوات يكاد يقتصر على نشاط سنوي واحد تقوم به وزارة الشؤون الاجتماعية من توزيع لقصاصات ليوم واحد على الطرقات! وذلك لا يمكن حسبانه بأي شكل من الأشكال ضمن عملية توعوية شاملة.
من ناحيتها، لم تدخر المنظمات المدنية المعنية بقضايا الإعاقة وعلى رأسها اتحاد المقعدين اللبنانيين جهداً طوال العقدين المنصرمين تجاه حملة توعوية واسعة على طول خارطة الوطن ضمن الحملة المطلبية المستمرة، تمثلت بآلاف المشاركات في الندوات والمؤتمرات والطاولات المستديرة، وتنظيم الدورات والتدريب على الحقوق والمناصرة الذاتية، والتوعية في المجتمعات المحلية، والتدريب في الجامعات والمدارس والمجتمع الأهلي والقطاعين العام والخاص. كما أن الفروع الاتحادية عملت على التوعية على نطاق محلي في مناطق مختلفة من لبنان، لا سيما تلك الأكثر فقراً وتهميشاً، نذكر منها البقاع والجنوب اللبنانيين، وقامت بالتدخل المباشر مع الأهل والمدارس لتحقيق خروقات نوعية في جسم المؤسسات العازلة.
إلا أن أهم ما يمكن أن يميز هذه الحركة التوعوية العمل على إنشاء وحدة متخصصة بالإعلام والتوثيق، ما دفع بالحركة المطلبية للأشخاص المعوقين في لبنان إلى التخصص في إطار العمل التوعوي المباشر من خلال المؤتمرات والمطبوعات الدورية المتخصصة من جهة، وغير المباشر من خلال الانطلاق إلى الصحافة العامة بأشكالها المرئي، المسموع، المقروء والالكتروني، ليشكل الاتحاد بعد إنشائه الوحدة الإعلامية فيه مرجعية إعلامية متكاملة في كل ما يتعلق بقضايا الإعاقة في لبنان.
في الصحافة العامة
بعد الإلمام بالمفاهيم الأساسية والمصطلحات التي يعمل على تطويرها زمنياً، والنماذج، لا بد للأشخاص المعوقين، ولأصحاب كل قضية اجتماعية من المبادرة إلى كسب اهتمام وسائل الإعلام بالقضية، وذلك من خلال استقطاب وسائل الإعلام بطريقة أو بأخرى لتعبئة المجتمعات المحلية حول هذه القضية، وذلك لا يتحقق إلا عبر التعامل المباشر على صعيدين؛ الأول يتمثل باستقطاب الصحافيين العاملين والمراسلين وتوعيتهم حول المفاهيم المتعلقة بالقضية وحول الأهداف القريبة والبعيدة المتوخاة في الظهور الإعلامي بأقلامهم. أما المستوى الثاني فهو في استقطاب المؤسسات الإعلامية وجعلها مؤسسات صديقة للقضية. فمن خلال ذلك يتحقق التأثير على صناع القرار من خلال وسائل الإعلام، كما حصل غير مرة في لبنان من خلال تجربة اتحاد المقعدين اللبنانيين في مسيرته المطلبية التي استمرت لربع قرن من الزمن.
هنا لابد من إلقاء نظرة عن قرب على كيفية الاستفادة القصوى من وسائل الإعلام في مناصرة قضايا الإعاقة، لا سيما التربية الدامجة، من خلال هذه التجربة المثمرة، وذلك يخدم أصحاب القضية بشكل كبير في القطع الصحفية المنشورة على صفحات الدوريات غير المتخصصة والصحف اليومية، بغية مقاربة قضايا الإعاقة مقاربة دامجة، وأعرض لتسع نقاط تقاطع فيها عمل الوحدة الإعلامية في اتحاد المقعدين مع المعايير المطورة من قبل مركز الاتصال التابع لجامعة جونز هوبكنز:
- وضع الاتحاديون أرشيفاً صحفياً راصدين المواضيع المطروحة على الساحة المحلية محللين المحتوى، ساعين إلى التعرف إلى اهتمامات الصحافة في القضايا الاجتماعية؛ ولا يخفى أن الصحافيين كانوا دوماً يركزون على القضايا المثيرة للجدل وفي مقاربتهم لقضايا الإعاقة كانوا في الغالب يخلطون بين المفاهيم ولا يتبنون سياسة محدودة.
- تعرف الاتحاديون من خلال الوحدة الإعلامية والعمل المكثف فيها إلى الصحافيين والمراسلين وراسمي صفحات الجرائد اليومية الذين يغطون المواضيع الاجتماعية بهدف تكوين علاقة مستمرة مع هؤلاء الصحافيين، الذين غالباً ما كانوا يغيرون مواقعهم بين صفحة وأخرى أو بين صحيفة وأخرى.
- ساعد الامتداد الجغرافي للاتحاد على طول خارطة الوطن في استثمار المكاتب في المناطق، وافتتاح مكاتب تنموية ذات صلة بين الآونة والأخرى في الأماكن النائية في بث التوعية الملائمة بين السكان المحليين، فكان للندوات، والمخيمات، وتوزيع المطبوعات، واللقاءات أثر مميز لدى المراسلين في المناطق الذين يكونون في الأغلب متعطشين لأي خبر يرصدونه ضمن النطاق الجغرافي لعملهم.
- عملت الوحدة الإعلامية على الحفاظ على علاقات مستمرة مع الصحافيين الأصدقاء والمناصرين لقضايا الإعاقة، بالتوازي مع توزيع وتعميم البيانات الصحافية على جميع الصحافيين لكن الملاحظ أن العلاقات الشخصية كان لها الأثر الأكبر في نشر الأخبار، والتعليقات والردود في وقت قياسي.
- حرص الاتحاديون بشكل عام والوحدة الإعلامية المتخصصة على نحو خاص على الصراحة التامة مع الجسم الصحافي، محولين وحدتهم إلى مصدر موثوق للمعلومات حول قضايا الدمج والتنوع، وبالتالي إلى مرجع يمكن للصحافيين والباحثين اللجوء إليه عند الحاجة. وذلك بالتوازي مع إمداد الصحافيين بالمعلومات الجديدة المتوفرة والمواضيع الجديرة بالنشر.
- حرصت الوحدة الإعلامية على اللجوء إلى المختصين واستشارتهم في كثير من المواضيع الاجتماعية المطروحة متبادلة وإياهم الآراء من جهة وعاملة على توعيتهم على قضايا الإعاقة من جهة أخرى مما أكسب البحوث التي تجريها مصداقية عالية.
- الإعداد الجزئي أو المواد الخام، هو من أهم ما تقدمه الوحدة الإعلامية للعاملين في اليوميات والدوريات، وهذه المواد تكون شبه جاهزة حول قضايا متفرقة تهم الصحافيين الطارقين للموضوع والاتحاديين في آن معاً.
- إعداد وتحرير وإصدار المطبوعات والدوريات؛ وهو من المهام الدائمة الملقاة على الاتحاديين، وتهدف هذه المطبوعات إلى مقاربة تفاصيل وجزئيات القضية مقاربة موضوعية صادقة مما يكسب صفة المرجع الموثوق الناطق باسم أصحاب قضايا الإعاقة. ومنها مجلة واو ودليل التنوع في مكان العمل، حيث يعمل الفريق التابع للمتطوعين مع الإعداد والتحرير بما يتماشى مع الجو العام للصحافة المحلية ساعياً إلى توعية الجماهير المستهدفة حول قضايا الإعاقة بشكل عام، واضعاً بين أيديهم مادة شيقة مكتوبة ومخرجة بتقنية متخصصة.
لا يخفى أن النجاح الذي تحقق من خلال هذه التجربة يقوم على أساس متين وهو إشراك أصحاب القضية أنفسهم في كل خطوة من خطوات المسيرة الإعلامية للاتحاد. فهم الأقدر على فهم قضاياهم وبلورتها بالصيغة المناسبة من جهة، وهم كذلك الأقدر على التفاعل مع المسار الزمني، السياسي، المجتمعي نحو تطوير لغة ومصطلحات قضاياهم
[1].
انطلاقا من النقاط التسع أعلاه، والتي يمكن أن تعمم على مناصري قضايا الإعاقة يمكن التأسيس لإطل
المزيد